تحديث إقليمي
الأمريكيتان
بعد ثماني سنوات من الحكم الذي تولته في الولايات المتحدة إدارة لم تحترم القانون الدولي لحقوق الإنسان في عدد من المجالات، سادت توقعات على نطاق واسع بأن ثمة تغييراً آت مع تنصيب الرئيس باراك أوباما في يناير/كانون الثاني. بيد أن سجل الإدارة الجديدة في مضمار سياسات الاعتقال المتصلة بمكافحة الإرهاب ظل يعكس مواقف متضاربة. فالوعود المبكرة والخطوات المهمة الأولى، التي تعهدت بتصحيح ما وقع من انتهاكات، تلاها القليل من الأفعال التي تضمن مواءمة أساليب الاعتقال مع الواجبات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية، بينما ظل غياب المساءلة وعدم إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة على حالهما.
من جهتها، رحبت منظمة العفو الدولية بالإرادة التي أبدتها الإدارة الجديدة للولايات المتحدة من أجل الانخراط في المجتمع الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة. ورحبت بالمثل بالرغبة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية في المشاركة في "مجلس حقوق الإنسان"، الهيئة الرئيسية للأمم المتحدة في مضمار حقوق الإنسان، وفي العمل مع الدول الأخرى لتحسين فعالية المجلس. وفي الآونة الأخيرة، لقي موقف الرئيس أوباما المتفاعل مع المدنيين الذين حاصرهم النـزاع في سري لانكا منا الترحاب. إلا أنه ثمة نزاعات أخرى، كذاك الذي طال عليه الأمد بين إسرائيل والفلسطينيين، ما زالت تنتظر الانخراط الإيجابي لإدارة الولايات المتحدة من أجل تسويتها.
وعلى الصعيد الإقليمي، فشل رؤساء الدول والحكومات الذين شاركوا في قمة الأمريكيتين، التي تُعقد كل أربع سنوات، في اغتنام الفرصة للاعتراف رسمياً بضرورة وضع حقوق الإنسان في قلب الجهود الرامية إلى التصدي للتحديات الأساسية العديدة التي تواجه الإقليم. إذ شكلت القمة، في وقت تعصف فيه المشكلات الاقتصادية الكونية بالعالم وتسود فيه روح جديدة للتوصل إلى تسويات بين إدارة الولايات المتحدة وحكومات البلدان الأخرى، فرصة فريدة لترسيخ رؤية صلبة لحقوق الإنسان في الأمريكيتين. وعوضاً عن ذلك، ظلت حقوق الإنسان مجدداً في ذيل آخر الاهتمامات.
كما أقصت القمة أصواتاً مهمة كان ينبغي الإصغاء إليها جيداً، ولا سيما أصوات الشعوب الأصلية.
الشعوب الأصلية
واصلت الشعوب الأصلية تحقيق بعض المكاسب المتواضعة في جهودها من أجل استعادة ملكية أراضيها التقليدية. ففي مارس/آذار، قدَّم الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، صكوك الملكية القانونية لما مساحته 36,000 هكتار من الأراضي إلى مجتمعات غواراني الأصلية في ألتو بارابيتي، حيث تعمل نحو 50 عائلة من الغويراني في ظروف أقرب إلى العبودية.
وفي مارس/آذار أيضاً، أصدرت المحكمة العليا البرازيلية حكماً نهائياً أعادت التأكيد فيه على قانونية محمية "رابوسا سيرّا دو سول" للسكان الأصليين في ولاية رورايما، وأصدرت أوامرها بطرد مزارعي الأرز من أراضي السكان الأصليين.
غير أن الظروف القلقة التي ما زالت تحيط بالعديد من مجتمعات السكان الأصليين شهدت تجسيداً مأساوياً لها في باراغواي عندما توفي ستة من أفراد مجتمع "ساوهوياماكسا" للسكان الأصليين، بينهم أربعة أطفال في الثانية من العمر، نتيجة الإصابة بأمراض كان من الممكن منع الإصابة بها. وشكلت هذه الوفيات تذكيراً مأساوياً باستمرار تقاعس الدولة الباراغوانية عن التقيد بحكمين صادرين عن محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان دعيا السلطات إلى توفير الرعاية الصحية واتخاذ التدابير الأساسية الأخرى لضمان سلامة مجتمعي "ساوهوياماكسا" و"ياكيه آكسا" للسكان الأصليين إلى حين إعادة أراضيهما التقليدية إليهما.
وفي فبراير/شباط، اختُطف مانويل بونس روساس وراؤول لوكاس لوثيا، وهما مدافعان مكسيكيان من السكان الأصليين عن حقوق الإنسان يناضلان من أجل حماية حقوق مجتمعهما، وعُذبا وقتلا في أيوتلا، بولاية غويريرو. وفي مارس/آذار، أُفرج عن أربعة آخرين من سجناء الرأي المدافعين عن حقوق السكان الأصليين، من سجن أيوتلا، ولكن زميلهم، راؤول هيرنانديز، ظل وراء القضبان في انتظار المحاكمة على جريمة لم يرتكبها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هؤلاء الناشطين قد استهدفوا انتقاماً منهم بسبب عملهم من أجل حقوق السكان الأصليين.
وفي فبراير/شباط أيضاً، خضعت كندا للمراجعة بموجب "المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة". واقتُرحت توصيات عديدة لتحسين سجل كندا في مضمار حقوق الإنسان. وسلط العديد من هذه التوصيات الضوء على استمرار أشكال عدم المساواة بين السكان الأصليين والسكان الوافدين في كندا.
انعدام الأمن
تصدرت الآثار المدمرة للنـزاع الذي طال عليه الأمد في كولومبيا على المدنيين مقدمة الأحداث مع ما نشر من أرقام في أبريل/نيسان قدَّرت عدد النازحين الجدد بسبب النـزاع في سنة 2008 وحدها بأكثر من 380,000 شخص، ما يمثل ارتفاعاً بمعدل الربع عن سنة 2007. وظل السكان الأصليون، وكذلك المتحدرون من أصول أفريقية والفلاحون، يتحملون وطأة النـزاع أكثر من غيرهم. وفي فبراير/شباط، ورد أن جماعة حرب العصابات "القوات المسلحة الثورية لكولومبيا" قتلت 27 من أفراد شعب آوا للسكان الأصليين في دائرة نارينيو.
وأظهرت بيانات إحصائية جديدة صدرت في المكسيك أن زيادة بمعدل ستة أضعاف قد طرأت على ما تلقته "اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان" من تقارير تتصل بانتهاكات لحقوق الإنسان على أيدي العسكر ما بين 2006 و2008. وتشمل هذه الانتهاكات التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة، والاعتقال التعسفي، وتفتيش البيوت بصورة غير قانونية، والاختفاء القسري، والقتل غير المشروع. ولا يزال نظام القضاء العسكري هو الذي ينظر مثل هذه القضايا.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تزايد عدد وفيات الأفراد الناجمة عن صدمات بأسلحة الصعق الكهربائي. وشملت هذه وفاة شاب مجهول الهوية ويبلغ من العمر 17 سنة في فرجينيا في شهر يناير/كانون الثاني، وكذلك صبي يبلغ من العمر 15 سنة توفي في ميتشيغان في مارس/آذار.
مكافحة الإرهاب
بعد يومين من تنصيبه في يناير/كانون الثاني، وقّع الرئيس باراك أوباما ثلاثة أوامر تنفيذية ومذكرة أمر فيها بإغلاق مرفق الاعتقال في غوانتنامو خلال عام واحد، وبوضع حد لاستخدام وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) الاعتقال السري لفترة طويلة وأساليب الاستجواب "المعزَّزة"، وبمراجعة سياسات اعتقال واستجواب وترحيل المعتقلين، وبمراجعة قضية علي المري، وهو "المقاتل العدو" الوحيد الذي كان محتجزاً فوق أراضي الولايات المتحدة نفسها في ذلك الوقت. وفي يناير/كانون الثاني أيضاً، تم تعليق المحاكمات التي تجريها اللجان العسكرية بناء على طلب من الرئيس، في انتظار مراجعة الموضوع.
وفي فبراير/شباط، وجِّه الاتهام إلى علي المري لمحاكمته أمام محكمة اتحادية، وفي أبريل/نيسان، اعترف بذنبه.
وفي فبراير/شباط أيضاً، تذرعت الإدارة الجديدة "بأسبقية أسرار الدولة"، كما فعلت إدارة بوش من قبل، في مسعى منها لرد دعوى قانونية رفعها أحد ضحايا برنامج السي آي أيه للترحيل السري. وفي 28 أبريل/نيسان، رفضت محكمة استئناف الولايات المتحدة حجج الحكومة وقامت بإحالة القضية إلى محكمة المقاطعة.
وفي أبريل/نيسان، أصدر قاض اتحادي في الولايات المتحدة حكماً بأن باستطاعة ثلاثة معتقلين محتجزين في قاعدة باغرام الجوية التابعة للولايات المتحدة في أفغانستان الطعن في قانونية اعتقالهم أمام محكمة في الولايات المتحدة. وقامت الإدارة بعد ذلك بالاستئناف ضد القرار.
وفي أبريل/نيسان أيضاً، أفرجت الإدارة الجديدة عن أربع مذكرات سرية سابقة لوزارة العدل صدرت ما بين 2002 و2005 ووفرت الغطاء القانوني للسي آي أيه كي تستخدم أساليب تحقيق تنتهك الحظر الدولي المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.
وأمرت المحكمة الاتحادية الكندية الحكومة بطلب تسليم المواطن الكندي عمر خضر، المعتقل في خليج غوانتانامو. وكان عمر خضر قد اعتقل على أيدي قوات الولايات المتحدة في أفغانستان في 2002 عندما كان عمره 15 عاماً، ومضى على احتجازه في غوانتانامو أكثر من ست سنوات.
العنف ضد المرأة
بدأ الكونغرس في شيلي هذا العام مناقشات حول مشروع قانون من شأنه، إذا ما أُقر، تجريم "قتل الأنثى عمداً" بحسب القانون الأساسي للبلاد، وتغليظ العقوبات على العنف ضد المرأة.
وفي مايو/أيار، ظل قرار للمحكمة الدستورية لنيكاراغوا بشأن دستورية الحظر المطلق المفروض على الإجهاض في انتظار الحسم. ويحرم الحظر النساء والفتيات الحوامل من الانتفاع بخدمات الرعاية الصحية الأساسية حتى عندما تكون حياتهن أو صحتهن معرضة للخطر بسبب استمرار الحمل، ويمنع ضحايا الاغتصاب من الحصول على الإجهاض الآمن.
عقوبة الإعدام
ما زالت عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة تتصف بالتمييز، ولا سيما بالعلاقة مع عرق ضحية الجريمة. ولا يزال الأمريكيون من أصول أفريقية يمثلون قسطاً غير متناسب ممن يحكمون بالإعدام. وما بين 1 يناير/كانون الثاني و1 مايو/أيار، نُفذ في الولايات المتحدة 24 حكماً بالإعدام في ثماني ولايات (ألاباما، فلوريدا، جورجيا، أوكلاهوما، كارولاينا الجنوبية، تينيسي، تكساس، فرجينيا). واستحوذت تكساس على 14 من عمليات الإعدام هذه، أي أكثر من نصف إجمالي ما نفذ من أحكام. وفي مارس/آذار، وقع حاكم نيو مكسيكو، بيل ريتشاردسون، قانوناً يلغي عقوبة الإعدام في الولاية.
وأمرت محكمة اتحادية كندية الحكومة الكندية بالعودة إلى سياسة طلب الرحمة في جميع الأوقات للمواطنين الكنديين الذين يحكم عليهم بالإعدام في دول أجنبية. وكانت كندا قد أوقفت العمل بهذه السياسة القديمة في 2007.
الإقصاء
في مارس/آذار، باشرت حكومة ولاية ريو دي جانيرو بناء جدار طوله 11 كيلومتراً ويعزل خلفه عدداً من أحياء الفقراء عن حي زونا سول للمترفين في المدينة. وحاججت الحكومة بأن هذا التدبير ضروري لوقف التوسع غير القانوني لأحياء الصفيح، ولحماية البيئة. بيد أن بعض السكان عارضوا إقامة الجدار، الذي يخشون من أن يؤدي إلى تعميق حالة التهميش التي تعاني منها أحياء الفقراء.
حرية التعبير والتجمع
ما زال المدافعون عن حقوق الإنسان في كولومبيا يتعرضون للقتل، بمن فيهم ألفارو ميغيل ريفيرا، وهو ناشط من كالي بشأن حقوق ذوي الميول الجنسية المثلية والميول الثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر قتل في مارس/آذار، وكذلك آنا إيزابيل غوميز بيريز، القائدة البارزة لمجتمعات النازحين داخلياً في دائرة قرطبة، التي لقيت مصرعها في أبريل/نيسان. ولقي الاثنان حتفهما في اعتدائين من قبل مجهولين.
وفي مارس/آذار أيضاً، نشر مكتب قاضي شكاوى الجمهور لحقوق الإنسان تقريراً تحت عنوان "الحق في المعرفة"، أورد فيه تفاصيل بعض المعطيات التي توصل إليها لدى استعراضه للأرشيف التاريخي للشرطة. وكان الأرشيف، الذي اكتشف في 2005، يخص جهاز الشرطة السابق ويغطي فترة النـزاع الداخلي المسلح كاملة، من 1960 إلى 1984، كما ساعد على المضي قدماً في عملية المقاضاة في قضية اختفاء قسري لأحد النقابيين في 1984. وفي اليوم التالي للنشر، اختُطفت زوجة قاضي، مختص بشكاوى الجمهور، وتعرضت للتعذيب وأطلق سراحها لاحقاً دون طلب فدية.
الإفلات من العقاب
شكَّلت إدانة رئيس بيرو الأسبق ألبيرتو فوجيموري، في أبريل/نيسان، بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان منعطفاً حاسماً في النضال ضد الإفلات من العقاب في بيرو.
وأدان القسم الجنائي الخاص لمحكمة بيرو العليا ألبيرتو فوجيموري بالمسؤولية عن قضايا باريوس ألتوس، التي أعدم فيها خارج نطاق القضاء 15 رجلاً وامرأة وطفلاً في لا كانتوتا، عام 1991، حيث اختطف تسعة طلاب ومحاضر جامعي وقتلوا لاحقاً في 1992 على أيدي أعضاء في "مجموعة كولينا"، وهي قوة شبه عسكرية داخل الجيش البيروفي. وشارك في الجريمة جهاز المخابرات، الذي كان احتجز في أقبيته ضحيتان من بين المختطفين. وجاء قرار القضاة الثلاثة الذين ترأسوا المحاكمة بالإجماع، وخلُص إلى أن الرئيس الأسبق البيرتو فوجيموري يتحمل المسؤولية الجنائية منفرداً في جميع القضايا الثلاث، نظراً لأنه كان يتمتع بسيطرة عسكرية فعالة على من ارتكبوا هذه الجرائم.
وفي مارس/آذار، كسبت "جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني" الانتخابات في السلفادور للمرة الأولى بأغلبية ضئيلة في الكونغرس. ولم تكن الجبهة قد طرحت مسألة تحقيق العدالة عما ارتكب من انتهاكات لحقوق الإنسان فيما مضى كعنوان في حملتها الانتخابية، كما لم تعِد بإلغاء "قانون العفو"، الساري المفعول منذ 1993، والذي يمنح الحصانة للمتهمين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
واستمر تحقيق بعض التقدم بشأن محاربة الإفلات من العقاب عما ارتكب من انتهاكات لحقوق الإنسان في الماضي في بعض القضايا ذات الأهمية الرمزية في عدة بلدان أخرى من الإقليم، بما فيها الأرجنتين وبوليفيا وشيلي وكولومبيا وبيرو وأوروغواي.