تحديث إقليمي
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
شهدت الأشهر الأربعة الأولى من عام 2009 تغيراً طفيفاً في النمط العام لأوضاع حقوق الإنسان الذي ساد خلال العام الفائت.
انعدام الأمن
بدأ العام بأزمة، حيث قصفت الطائرات الحربية والمدفعية الإسرائيلية قطاع غزة، الذي يعتبر أحد أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان على وجه الكرة الأرضية. واستمرت حركة حماس وغيرها من الجماعات المسلحة في إطلاق صواريخ عشوائية على جنوب إسرائيل. وبحلول 18 يناير/كانون الثاني، عندما أعلن طرفا النـزاع وقف إطلاق النار من جانب واحد، قُتل نحو 1,400 فلسطيني، بينهم نحو 300 طفل، وجُرح آلاف آخرون. كما قُتل ستة جنود إسرائيليين وثلاثة مدنيين وأُصيب عشرات آخرون بجروح، وقامت القوات الإسرائيلية بتسوية أحياء بأكملها في غزة بالأرض، تاركةً آلاف الأشخاص بلا مأوى. وقد أظهر ذلك النـزاع القصير والحاد والمميت ازدراء لحياة المدنيين وحمايتهم من جانب الأطراف المتحاربة، حيث أفلت مرتكبو الانتهاكات الخطيرة لقوانين الحرب من جميع عواقب أفعالهم، الأمر الذي خلق ظروفاً لارتكاب مزيد من الانتهاكات في المستقبل.
وقد وجدت فرق تقصي الحقائق التابعة لمنظمة العفو الدولية التي زارت غزة وجنوب إسرائيل إبان النـزاع وفي أعقابه مباشرة أدلة دامغة على وقوع جرائم حرب وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيها الهجمات المباشرة على المدنيين. ومع ذلك فإنه بحلول نهاية أبريل/نيسان، أي بعد مرور ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار،لم يتخذ الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني خطوات كافية للتحقيق في مثل تلك الجرائم. وأظهر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أنه غير مستعد لتشكيل لجنة تحقيق دولية شاملة تابعة له، أو الطلب من إسرائيل أن تتعاون مع لجنة التحقيق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان. وفي هذه الأثناء رفضت إسرائيل نتائج التحقيق الذي أمر الأمين العام للأمم المتحدة بإجرائه في الهجمات التي شنتها إسرائيل على مرافق الأمم المتحدة وموظفيها (وقد أظهر التحقيق أن القوات الإسرائيلية كانت مسؤولة عن هجوم واحد على الأقل).وبرَّأت التحقيقات التي أجراها الجيش الإسرائيلي في سلوك قواته – مع انعدام الاستقلالية أو الرجوع إلى الضحايا الفلسطينيين – ساحة تلك القوات، فعلياً، من كل ذنب. وفي حين أن الجنود الإسرائيليين الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي قد تمتعوا بالحصانة، فإن المراهقين الإسرائيليين الذين رفضوا الخدمة في الجيش بدافع من الضمير قد تم حبسهم.
وظل المدنيون يشكلون الضحايا الرئيسيين للنـزاع الدائر في العراق، على الرغم من انخفاض المستوى العام للهجمات وعمليات القتل منذ مطلع عام 2008. ففي أواخر أبريل/نيسان، أسفرت التفجيرات الانتحارية التي وقعت في بغداد ومحافظة ديالى عن مقتل ما يربو على 200 شخص، وقُدرت الخسائر في الأرواح في ذلك الشهر، بحسب الاحصاءات الرسمية، بأكثر من 350 شخصاً، بينهم 290 مدنياً.
وترددت أنباء جديدة عن وقوع أفعال تعذيب في السنوات السابقة. ففي البحرين، أصبح من الواضح أن مجموعة من الشباب الذين قُبض عليهم في أواخر عام 2008 قد تعرضوا للتعذيب أثناء احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي من قبل مسؤولين أمنيين. وفي أعقاب إطلاق سراحه من غوانتنامو، تمكَّن بنيام محمد، المقيم في المملكة المتحدة، من التكلم بحرية ولأول مرة عن نقله وتسليمه إلى المغرب في عام 2002، ومن تقديم رواية تفصيلية لأفعال التعذيب وإساءة المعاملة التي يقول إنه كابدها أثناء خضوعه للاستجواب في سجن سري هناك. وفي أبريل/نيسان، كُشف النقاب عن شريط فيديو أظهر أحد أفراد العائلة الحاكمة في أبو ظبي وهو يرتكب اعتداء على رجل على نحو شكَّل تهديداً لحياته بمساعدة أحد أفراد الشرطة الذي كان يرتدي البزة الرسمية. وتوحي الأدلة بأن سلطات الإمارات العربية المتحدة كانت متواطئة في الاعتداء الذي وقع في عام 2004 على ما يبدو، وزُعم أنه كان واحداً من سلسلة من اعتداءات مشابهة. وفي الشهر نفسه حثت منظمة العفو الدولية وزير الداخلية المصري على عدم السماح بإعادة اثنين من أفراد الشرطة، ممن أُطلق سراحهما بعد قضاء أحكام بالسجن على اغتصاب سجين ذكر، كان محتجزاً لديهما، وتصوير عملية الاغتصاب وتوزيع الفيلم بغية إذلاله أكثر فأكثر.
الإفلات من العقاب
يبدو أن ظاهرة الإفلات من العقاب قد استحكمت في الجزائر عندما أُعيد انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية ثالثة في أبريل/نيسان، عقب إجراء تغيير في الدستور كي يسمح له بالترشح. وفي ولايته السابقة كان بوتفليقة مهندس ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر، الذي يحول فعلياً دون مقاضاة الأشخاص الذين قاموا بتنسيق وارتكاب جرائم إبان النـزاع الجزائري الذي نشب في التسعينات من القرن المنصرم، والذي قُتل فيه آلاف الأشخاص أو اختفوا. ومع ذلك فإنه يجرِّم الأشخاص الذين يصرون على إدانة قوات الأمن والدعوة إلى التوصل إلى الحقيقة والعدالة. وفي المغرب والصحراء الغربية، ظلت عائلات ضحايا الاختفاء القسري إبان حكم الملك حسن الثاني، الذي توفي في عام 1999، بانتظار تلقي قائمة تفصيلية بحالات الاختفاء القسري التي حققت فيها لجنة الحقيقة والمصالحة، وهي هيئة أنشأها الملك محمد السادس أنهت عملها في نهاية عام 2005.
ويحمل لبنان كذلك إرثاً من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان يعود إلى سنوات الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990, ولا يزال آلاف الأشخاص مختفين، ومن بينهم أشخاص وقعوا في قبضة القوات السورية، ولكن كلتا الحكومتين اللبنانية والسورية لم تُظهرا حتى الآن أي استعداد للكشف عن مصير أولئك الأشخاص. كما أن آلاف السوريين مازالوا مختفين. ولم تكن التحقيقات التي أُجريت تتسم بالاستقلالية، ولم تُعلن نتائج ذات أهمية على الملأ. وعلى هذه الخلفية، ربما يكون إنشاء المحكمة الخاصة في لبنان في مطلع مارس/آذار ذا أهمية خاصة في التصدي لإرث الإفلات من العقاب. وتتمتع هذه المحكمة الخاصة، التي أُنشأت بدعم من مجلس الأمن، بالولاية القضائية على محاكمة المتهمين بقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 وتنفيذ هجمات أخرى مرتبطة بتلك الحادثة. ونظراً لبواعث القلق الأمنية واعترافاً بمثالب نظام العدالة اللبناني، فإن المحكمة تُعقد بالقرب من لاهاي بهولندا.
تكميم الأفواه
في فبراير/شباط، احتفلت إيران بالذكرى السنوية الثلاثين للثورة الإسلامية التي أطاحت بالشاه الأخير. وقد أضاف استمرار الجدل بشأن البرنامج النووي للحكومة الإيرانية إلى شيوع الشعور بانعدام الأمن في المنطقة، ولاسيما في الخليج، في حين أن الأشهر الأولى من عام 2009 لم تشهد تراخياً في وتيرة القمع داخل البلاد. وفي فترة التحضير للانتخابات الرئاسية، استمرت السلطات في استهداف ناشطات حقوق المرأة وأفراد الأقليات العرقية والدينية وغيرهم ممن تجرأوا على الحديث ضد الحكومة أو مع حقوق الإنسان.
وفي مصر وإيران وسوريا، قامت السلطات بعمليات اعتقال جديدة للمنتقدين والمحتجين بصورة سلمية، بمن فيهم الصحفيون والمدونون ونشطاء حقوق الأقليات والمدافعون عن حقوق الإنسان. ففي مصر كان من بينهم أنصار حركة "كفاية" وجماعة الإخوان المسلمين وأشخاص حاولوا التظاهر تضامناً مع الفلسطينيين الذين تعرضوا لهجوم القوات الإسرائيلية في غزة. وفي إيران كان من بين المعتقلين أفراد من أتباع الطائفة البهائية والمتحولين إلى المسيحية وصحفية تحمل الجنسيتين الأمريكية والإيرانية؛ وقد حُكم على الصحفية روكسانا صابري بالسجن عشر سنوات إثر محاكمة صورية، ثم أُطلق سراحها. وفي البحرين، كان ثلاثة من الأعضاء القياديين في الطائفة الشيعية من بين عشرات السجناء السياسيين الذين أُطلق سراحهم في أبريل/نيسان بموجب عفو ملكي. وفي مارس/آذار قامت منظمة العفو الدولية بمراقبة جلسة محاكمة لزعماء شيعة.
العنف ضد المرأة
ظلت النساء في شتى أنحاء المنطقة يواجهن التمييز القانوني وغيره من أشكال التمييز. فقد تعرض العديد منهن للعنف في إطار الأسرة وعلى أيدي رجال لم يوافقوا على سلوكهن، وذلك لأسباب دينية أو ثقافية ظاهرياً. بيد أنه ظهرت علامات على حدوث تحول، ببطء لكن بإصرار، نحو منح النساء مزيداً من الحرية والاحترام لحقوقهن الإنسانية. ففي المملكة العربية السعودية، عيَّن الملك أول وزيرة في الحكومة في فبراير/شباط، حيث أصبحت نورة بنت عبدالله بن مساعيد الفايز نائبة وزير التربية والتعليم لشؤون البنات. وفي إقليم كردستان العراق، خطَت حكومة إقليم كردستان خطوات أكبر للقضاء على ما يسمى بـ "جرائم الشرف"، وأصدرت أوامر، من جملة مبادرات أخرى، بنشر صور الجناة المزعومين الذين ارتكبوا مثل تلك الاعتداءات على أوسع نطاق ممكن، في محاولة لضمان القبض عليهم.
عقوبة الإعدام
احتفظت إيران بسمعتها كواحدة من أوائل دول العالم التي تنفذ عمليات الإعدام. كما أنها الدولة الوحيدة، من الناحية الفعلية، التي لا تزال تقوم بإعدام المذنبين الأحداث – وهم الأشخاص الذين يُدانون بارتكاب جرائم عندما كانوا دون سن الثامنة عشرة – وتنفذ أحكام الإعدام بالرجم حتى الموت. وبحلول نهاية أبريل/نيسان، سجلت منظمة العفو الدولية ما لا يقل عن 139 حالة إعدام في إيران منذ مطلع عام 2009. ولا يزال هذا العدد في ازدياد. وكان من بين الضحايا إثنان على الأقل من المذنبين الأحداث، إحداهما ديلارا درابي، التي قامت سلطات السجن بإعدامها شنقاً في 1 مايو/أيار على الرغم من صدور أمر قضائي بوقف الإعدام.
كما استمرت كل من العراق والمملكة العربية السعودية واليمن في استخدام عقوبة الإعدام على نطاق واسع. ففي العراق علمت منظمة العفو الدولية في مارس/آذار أن نحو 128 شخصاً كانوا عرضة لخطر الإعدام الوشيك من قبل السلطات في بغداد، مع أن رئيس البلاد جلال الطلباني شخصياً يعارض عقوبة الإعدام ويرفض توقيع أوامر الإعدام (نائب الرئيس هو الذي يوقع بدلاً منه). وقد حثت منظمة العفو الدولية السلطات على عدم المضي قدماً في تنفيذ عمليات الإعدام. بيد أنه تم إعدام 12 شخصاً في مطلع مايو/أيار. وتقول الحكومة العراقية إنها بحاجة إلى عقوبة الإعدام كرادع للهجمات المسلحة. بيد أن تلك الهجمات تُرتكب على أيدي أشخاص من المرجح ألا تردعهم عقوبة الإعدام، وهم منفذو الهجمات الانتحارية. وكان العديد من الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام قد تلقوا تلك الأحكام إثر محاكمات جائرة، وفي بعض الحالات على أساس اعترافات انتُزعت منهم تحت التعذيب أثناء فترة احتجازهم بانتظار المحاكمة.
وفي المملكة العربية السعودية، سجلت منظمة العفو الدولية ما لا يقل عن 28 حالة إعدام بحلول نهاية أبريل/نيسان. وكما كانت الحال في السنوات السابقة، فقد كان من بين الأشخاص الذين ضُربت أعناقهم مواطنون أجانب من بلدان فقيرة ونامية، ممن يرجح أنه لم يقدَّموا إلى محاكمات عادلة. وفي نظام العدالة السري، من المرجح أن تتكالب الظروف ضدهم بلا هوادة. كما ظهرت علامات على أن سلطات السعودية كانت ماضية قدماً نحو إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الأشخاص الذين يُشتبه في ضلوعهم في الإرهاب، والذين ورد أن آلافاً منهم قيد الاعتقال في أماكن سرية في معظمها. وفي مارس/آذار، أعلن وزير الداخلية عن بدء المحاكمات، بيد أن السلطات لم تكشف النقاب عن أية معلومات، سواء كانت تتعلق بإجراءات المحكمة- بما في ذلك ما إذا كان سيُسمح للمتهمين بتمثيل قانوني وتوكيل محاميين من اختيارهم- أو بهوية المتهمين. وفي اليمن سجلت منظمة العفو الدولية ما لا يقل عن سبع حالات إعدام بحلول نهاية أبريل/نيسان. وكان من بين الضحايا عائشة غالب، وهي أم لسبعة أطفال، أُدينت بجريمة قتل في عام 2003.