بعد 60 عاماً من صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"
في الأعوام الستين التي انقضت على صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في عام 1948، مرت إفريقيا بتحولات هائلة، إذ إن مسيرة تصفية الاستعمار، وانتهاء عهد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا (وهو العهد الذي بدأ أيضاً في عام 1948) قد صاحبهما إنشاء المؤسسات على المستوى الوطني وزيادة احترام سيادة القانون، وأصبح لدى الكثير من بلدان إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى الآن مجتمعات مدنية نشطة وأنواع متعددة من أجهزة الإعلام المستقلة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التقدم الكبير، فإن حقوق الإنسان التي وعد بها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم تصبح بعد حقيقة واقعة لجميع أبناء إفريقيا.
ولقد حُسمَ عددٌ من النزاعات المسلحة التي طال أمدها، مثل تلك التي وقعت في أنغولا وجنوب السودان وسيراليون وليبيريا، ولكن العواقب التي خلفتها في مجال حقوق الإنسان لا تزال قائمة، وهي تضر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتضر كذلك بالساحة السياسية. ولا يزال الصراع العنيف على السلطة، حتى في الدول التي لم تنزلق إلى النزاع المسلح، من العناصر المهمة للحياة السياسية في إفريقيا، على الرغم من الخطوات المتخذة لتحقيق الديموقراطية في بلدان كثيرة.
وكثيراً ما اتضحت صعوبة إيجاد حلول ثابتة ودائمة للنزاعات الإفريقية، على الرغم من مساهمة "منظمة الوحدة الإفريقية" ومن بعدها "الاتحاد الإفريقي" في منع نشوء النزاعات وحل ما ينشأ منها. واتضح وجود افتقار يُرثى له إلى الإرادة السياسية اللازمة للتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان التي تكمن بصفة عامة وراء نشأة التوترات السياسية والعمليات العسكرية. وقد تقاعس "مجلس السلم والأمن" المنبثق عن "الاتحاد الإفريقي" عـن النهوض بالصلاحية المخولة له بالتصدي لأحد أبعاد النزاعات المسلحة في إفريقيا، ألا وهو بُعد حقوق الإنسان.
وعلى امتداد العقود المنصرمة تطور إطار حقوق الإنسان في إفريقيا من خلال شتى المعاهدات والمؤسسات الإقليمية لحقوق الإنسان. ففي عام 1986، أصبح "الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" ساري المفعول، وجرى الاحتفال في عام 2007 بمرور عشرين عاما على تشكيل "اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" (ويُشار إليها فيما بعد باسم "اللجنة الإفريقية"). ومع ذلك، ورغم التطورات المهمة في المؤسسات الإفريقية لحقوق الإنسان، فإن "اللجنة الإفريقية" ما برحت تواجه عقبات مالية وسياسية، إذ إن عدم توافر ما يكفي من الدعم من جانب "الاتحاد الإفريقي" اضطر "اللجنة الإفريقية" إلى الاعتماد على المساندة الخارجية في معظم من تحتاجه من العاملين، في حين أن كثيراً من الدول الأعضاء لا تبدى اهتماماً يُذكر باستضافة اجتماعاتها.
وفي غضون السنوات الأخيرة، كانت دول إفريقية كثيرة عازفةً عن المشاركة البنَّاءة في المؤسسات العالمية لحقوق الإنسان، مثل "مجلس حقوق الإنسان" الذي أُنشئ في الآونة الأخيرة بالأمم المتحدة. بل إن كثيراً منها اتخذ مواقف تتناغم مع حفنة من الدول التي عقدت العزم على إضعاف هذه المؤسسات، وإن كانت هناك استثناءات بارزة، إذ نهضت بعض الدول الإفريقية بأدوار بنَّاءة بل وتتسم بالشجاعة في بعض الأحيان في الأمم المتحدة، معربةً عن مساندتها لضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان
تطور إطار حقوق الإنسان في إفريقيا من خلال شتى المعاهدات والمؤسسات الإقليمية لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن حقوق الإنسان التي وعد بها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم تصبح بعد حقيقة واقعة لجميع أبناء إفريقيا.
نظرة على أحداث العام 2007
ظل كثير من الأشخاص في إفريقيا يتعرضن لانتهاك حقوقهم خلال عام 2007، وكانت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تزال وهماً بالنسبة لملايين الناس. فقد صاحب النزاعات المسلحة الداخلية، التي استمرت في الإضرار بعدة دول، ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها القتل دون وجه حق والتعذيب، بما في ذلك الاغتصاب. وشهدت بعض البلدان قمع المعارضة بشتى أشكالها، وشهد البعض الآخر فرض قيود على حرية التعبير وترهيب المدافعين عن حقوق الإنسان ومضايقتهم. وكابدت المرأة انتشار التمييز ضدهـا وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بصورة منتظمة. وعلى امتداد القارة كان المسؤولون عن انتهاكات حقوق الإنسان يفلتون من المحاسبة على أفعالهم.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
على الرغم من ازدياد النمو الاقتصادي في كثير من الدول الإفريقية في السنوات الأخيرة، فقد استمر الملايين يعيشون دون الحصول على المتطلبات الأساسية للحياة الكريمة، مثل السكن اللائق، أو التعليم أو الرعاية الصحية. وكان من شأن عوامل عدة، مثل عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة والفساد والتخلف ونقص الاستثمار في الخدمات الاجتماعية الأساسية، أن تساعد على عدم تلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للرجال والنساء والأطفال في شتى أرجاء القارة.
وما برحت بلدان الجنوب الإفريقي تتسم بأعلى معدلات الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)أو الفيروس المسبب له على مستوى العالم. وكان الفقر في جنوب إفريقيا حاجزاً يحول دون حصول فقراء الريف، والنساء منهم خاصة، على أي علاج أو رعاية. وقد وثَّقت منظمة العفو الدولية كيف يتعرض حق المرأة في الصحة للتقويض بسبب العوائق المادية التي تحول دون الانتفاع بالخدمات الصحية، وكذلك تكاليف النقل، وقلة عدد العاملين الصحيين، والعجز عن الحصول يومياً على ما يكفي من الطعام، وضروب عدم المساواة بين الجنسين.
وقد أُجليت بعض الأُسر من مساكنها قسراً في عدد من البلدان من أجل تنفيذ مشروعات التنمية أو المشروعات العمرانية. وكثيراً ما أحجمت الحكومات عن تقديم تعويضات أو مساكن بديلة للذين أُجلوا قسراً، وهو ما يُعد انتهاكاً لحق مئات الآلاف من الأشخاص في المأوى والسكن الملائم.
اعتباراً من يوليو/تموز، أُجليت مئات العائلات قسراً وهُدمت منازلها على أيدي شركة "جنة عدن" للبناء في حي العراق في لواندا، بأنغولا. ونُفذت عمليات الإجلاء لإفساح المجال لإقامة مجمع سكاني فاخر، ولم تُقدم للسكان المتضررين مساكن بديلة أو تعويضات. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، تعرض صحفيان كانا يغطيان عمليات الإجلاء، وهما أنتونيو كاسكايس، وهو مراسل حر للمحطة الإذاعية الألمانية "دويتش ويل"؛ وألكسندر نيتو، من محطة "إذاعة ديسبرتار" الأنغولية، لاعتداء على أيدي أفراد من شركة أمن خاصة واحتُجزا لأكثر من ثلاث ساعات على أيدي الشرطة العسكرية.
النزاعات المسلحة
كان لاستمرار النزاعات المسلحة عواقب وخيمة على السكان المدنيين، مع وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومن بينها القتل دون وجه حق، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال للقتال. واستمر على نطاق واسع نزوح الأشخاص قسراً وحالات الموت جوعاً وبسبب الأمراض نتيجة للنزاع.
وتصاعدت خلال عام 2007 حدة النزاع الجاري في الصومال وفي شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية. ففي يناير/كانون الثاني، أقر "الاتحاد الإفريقي" نشر قوة لحفظ السلام في الصومال، ولكن هذه القوة لم تتمتع بصلاحيات واضحة لحماية المدنيين. وبحلول نهاية العام لم يكن قد نُشر إلا أقل من خُمس هذه القوة، التي كان من المقرر أن تتألف من ثمانية آلاف جندي.
واستمر النزاع وتفشي انعدام الأمن في إقليم دارفور في السودان ومنطقة شرقي تشاد والمنطقة الشمالية من جمهورية إفريقيا الوسطى. ففي دارفور، انقسمت الجماعات المسلحة المشاركة في النزاعات إلى فصائل وانتشرت، مما زاد من تعقيد آفاق التوصل إلى حل سياسي.وفي يوليو/تموز، قرر مجلس الأمن الدولي نشر قوة مشتركة لحفظ السلام في دارفور، تضم عناصر من الأمم المتحدة و"الاتحاد الإفريقي"، وتتكون من 26 ألف فرد ولكن نشر هذه القوة تأخر بسبب وضع حكومة السودان لبعض العراقيل، ولأن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لم توفر المعدات العسكرية اللازمة لنشر قوة ذات فعالية.وفي سبتمبر/أيلول، وافق مجلس الأمن للأمم المتحدة على وجود بعثة متعددة الأطراف في تشاد وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، إلى جانب عملية عسكرية أوروبية. ولكن هذه القوات لم تكن قد نُشرت بحلول نهاية العام.
وفي شمال النيجر، اندلع القتال بين القوات الحكومية وجماعة معارضة مسلحة يقودها أفراد من جماعة "الطوارق" العرقية، وصاحب القتالَ ارتكابُ انتهاكات لحقوق الإنسان.
وشهد العام المنصرم اتخاذ بعض الخطوات لحل النزاع. ففي مارس/آذار، وُقِّعَ اتفاق للسلام في ساحل العاج، واستمرت المفاوضات في شمال أوغندا لوضع نهاية للنزاع.
وكان انتشار الأسلحة الصغيرة يمثل مشكلة كبرى، وفي كثير من الأحيان، لم تُنفذ قرارات حظر الأسلحة التي أصدرها مجلس الأمن، ولم تكن مراعاة هذه القرارات تخضع للمراقبة على نحو كاف.
أقر "الاتحاد الإفريقي" نشر قوة لحفظ السلام في الصومال، ولكن هذه القوة لم تتمتع بصلاحيات واضحة لحماية المدنيين.
الإفلات من العقاب
نادراً ما كان أفراد الشرطة والموظفون المكلفون بتنفيذ القانون يُحاسبون على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك حالات القبض والاحتجاز التعسفيين وسوء المعاملة والتعذيب. وساد مثل هذا الإفلات من العقاب في بلدان كثيرة، من بينها إريتريا وأنغولا وبوروندي وزمبابوي وغينيا الاستوائية وموزمبيق. وكثيراً ما لجأ الموظفون المكلفون بتنفيذ القانون إلى الإفراط في استخدام القوة في بعض البلدان، مثل بنين وجمهوريـة غينيا وزمبابوي والسودان وكينيا وموريتانيا ونيجيريا. وفي كثير من الأحيان، تجاهلت السلطات التحقيق في أحداث استعمال القوة المفرطة، حتى في الحالات التي أدت فيها إلى مقتل أشخاص.
وكانت بوروندي تدرس إصدار قوانين أو نظم للعفو، بينما صدرت مثل هذه القوانين في ساحل العاج، وهي تتعلق بالجرائم التي ارتُكبت إبان النزاعات المسلحة الداخلية في البلدين، وذلك رغم أن مسؤولي الحكومتين أكدوا بأن العفو لن يُمنح للمسؤولين عن ارتكاب ما يُعتبر جرائم بموجب القانون الدولي.ومع ذلك، لم يُحرز أي تقدم في البلدين للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت خلال النزاعات المسلحة أو لمحاكمة المسؤولين عنها. وبالمثل، لم تحرز "لجنة الحقيقة والمصالحة" في ليبيريا تقدماً يُذكر.
وساهمت آليات العدالة الدولية في بعض الحالات في ضمان المساءلة عن الجرائم المؤثَّمة بموجب القانون الدولي
ففي إبريل/نيسان، أصدرت "المحكمة الجنائية الدولية" أمرين بالقبض على شخصين ممن شاركوا في النزاع في دارفور، وهما على كشايب، وهو أحد زعماء ميليشيا "الجنجويد"؛ وأحمد محمد هارون، وزير الدولة للشؤون الإنسانية في السودان. ووُجهت إلى كليهما تُهَم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولكن الحكومة السودانية رفضت تسليم المتهمين إلى المحكمة.
وفي مايو/أيار، أعلن المدعي في "المحكمة الجنائية الدولية" أن التحقيق سوف يبدأ في جمهورية إفريقيا الوسطي. وكانت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي زُعم ارتكابها في مقاطعة إيتوري في جمهورية الكونغو الديموقراطية في عام 2003، هي التي دفعت محكمة الجنايات الدولية إلى إصدار أمر بالقبض على جيرمين كاتانغا، في يوليو/تموز، وسلمته جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى "المحكمة الجنائية الدولية"، ولكن زعماء "جيش الرب للمقاومة" ظلوا مطلقي السراح، ومن بينهم جوزيف كونى الذي وجهت إليه "المحكمة الجنائية الدولية" تهماً تتعلق بالوضع في أوغندا.
واستمرت المحاكمات أمام "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا"، في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة إستراتيجية للخروج، وذلك باقتراح تحويل القضايا التي تنظرها إلى السلطات القضائية في الدول المعنية، ومن بينها رواندا.
و في يوليو/تموز، أصدرت "المحكمة الخاصة بسيراليون" حكماً بإدانة ثلاثة من أعضاء "المجلس الثوري للقوات المسلحة" بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أُدين اثنان من "قوات الدفاع المدني" بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتأجلت محاكمة تشارلز تايلور، رئيس ليبيريا السابق، ومن المتوقع أن تُستأنف في عام 2008.
ولم يتحقق تقدم يُذْكر في قضية الرئيس التشادي السابق حسين حبرى، بعد أن طلب "الاتحاد الإفريقي" في عام 2006 محاكمته في السنغال، بموجب الولاية القضائية العالمية، بتهمة ارتكاب جرائم مؤثَّمة بموجب القانون الدولي.
ساهمت آليات العدالة الدولية في بعض الحالات في ضمان المساءلة عن الجرائم المؤثَّمة بموجب القانون الدولي.
عقوبة الإعدام
شهد عام 2007 عدداً مـن التطورات الإيجابية بشأن عقوبة الإعدام، وهو ما يؤكد تزايد إقبال الدول الإفريقية على إلغاء هذه العقوبة في القانون أو في الواقع الفعلي. ورغم استمرار تطبيق عقوبة الإعدام في بلدان شتى، فإن عدد الذين أُعدموا لم يكن كبيراً
ففي يوليو/تموز، ألغت رواندا عقوبة الإعدام. وفي سبتمبر/أيلول، أعلنت حكومة الغابون أنها سوف تلغيها، بشرط موافقة البرلمان. وفي أكتوبر/تشرين الأول، قدمت حكومة مالـى مشروع قانون بإلغائها إلى البرلمان. وخُفِّف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد في بلدان شتى مثل جمهورية الكونغو وزامبيا وغانا
وعندما عُرض موضوع وقف استخدام عقوبة الإعدام على الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت عليه، في ديسمبر/كانون الأول، صوتت 17 دولة إفريقية لصالح وقف استخدام العقوبة، وامتنعت 20 دولة إفريقية عن التصويت.
ومع ذلك فقد أُعدم بعض الأشخاص في إثيوبيا والسودان والصومال وغينيا الاستوائية، كما أمرت المحاكم العسكرية في أوغندا بإعدام بعض الجنود. وتبين البحوث التي أجرتها منظمة العفو الدولية في عام 2007 أن سبعة أشخاص على الأقل أُعدموا في نيجيريا في العام المنصرم، على الرغم من إعلان ممثلي الحكومة رسمياً أنه لم يُعدم أحد خلال السنوات الأخيرة.
في 20 سبتمبر/أيلول، حُكم على العريف جيفري أباموكو، وهو من جنود "قوات الدفاع الشعبي الأوغندية" بالإعدام شنقاً بتهمة القتل. وواصلت المحاكم العسكرية في أوغندا إصدار أحكام بالإعدام وأوامر بإعدام جنود من "قوات الدفاع الشعبي الأوغندية". وظل عدد الجنود الذين أُعدموا بموجب القانون العسكري غير واضح على وجه الدقة.
العنف ضد النساء والفتيات
لم يتم التصدي بوجه عام لمشكلة العنف ضد المرأة، وإن كانت بعض البلدان قد دعمت أطرها القانونية في هذا الصدد. فقد أقرَّت سيراليون وغانا مشروعات




