بعد 60 عاما من صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"
في عام 1948، كانت قارة أوروبا قد دمرتها الحرب العالمية الثانية، لكن سرعان ما زاد انقسامها بسبب الحرب الباردة. وعلى امتداد السنوات الستين التالية، كان لهذه الخبرات تأثير عميق في الاستجابة الجماعية والاستجابة الفردية لضرورة إيجاد أرض مشتركة، ما دامت المنطقة تسعى لتحقيق الرخاء وضمان الأمن وإدراج سيادة القانون في صلب حياتها.
والواقع أنه لم يكد يمر عقد واحد حتى كانت أوروبا الغربية قد أرست الأساس لما أصبح فيما بعد البناء المؤسسي الإقليمي الشامل لأوروبا كلها، والذي يهدف إلى إنشاء نظام لحقوق الإنسان لا ينافسه نظام آخر في العالم كله، وإلى تحويل ما بدأ في صورة مجتمع محلي للفحم والفولاذ إلى اتحاد يتمتع بسلطة اقتصادية وسياسية عالمية.
وفي ذلك الوقت، وضع "مجلس أوروبا" أول وثيقة قانونية دولية لحماية حقوق الإنسان، وأنشأ "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" لتنفيذ هذه الوثيقة، وشكَّل مجلساً برلمانياً. وقد أصبح "مجلس أوروبا يضم الآن 47 دولة من الدول الأعضاء، وأجرى توسيعاً في نظامه بتعيين "مفوض لحقوق الإنسان"، وهيئات شتى للمراقبة. ولا تزال الرؤية الخاصة بحقوق الإنسان والديموقراطية التعددية وسيادة القانون قائمة.
وتطورت الجماعات الاقتصادية التي أُنشئت في الخمسينيات فأصبحت الاتحاد الأوروبي اليوم. ووسَّع الاتحاد الأوروبي نطاقه، فقبل في عضويته دولاً جديدة من الكتلة الشيوعية السابقة، كما وسَّع رؤيته بحيث أصبح "اتحاداً للقيم"، يطمح إلى وضع حقوق الإنسان في بؤرة سياساته الداخلية والخارجية.
وكان التركيب السياسي لأوروبا بعد الحرب يكمن أيضاً خلف تشكيل "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا"، وهي أكبر منظمة أمن إقليمية في العالم، إذ تشارك فيها 56 دولة، بعضها من دول وسط آسيا. وهي تُرجع أصولها إلى مرحلة الانفراج الدولي في أوائل السبعينات من القرن العشرين، إذ كانت آنذاك منتدى متعدد الأطراف للحوار والمفاوضات بين الشرق والغرب، وكان من النتائج الأساسية لهذه المنظمة ما يُسمى "عملية هلسنكي"، التي أوحت بدورها بإنشاء منظمات غير حكومية منوعة للرقابة على الالتزامات الأساسية بحقوق الإنسان، التي تعهدت بها الدول لمواطنيها.
ولكن الطريق إلى هذه المرحلة لم يكن مُعَبَّداً. فلقد شهدت الأعوام الستون المنصرمة قيام أنظمة استبدادية عسكرية في إسبانيا والبرتغال وتركيا واليونان، ودولا قمعية في الكتلة السوفيتية، كما كانت بعض الجماعات المسلحة تسعى إلى نصرة قضية بعض الأقليات أو الأيديولوجيات بالقوة، واندلعت نزاعات ضارية ارْتَجَّتْ معها مناطق في الاتحاد السوفيتي السابق ويوغوسلافيا أثناء تمزقهما، فظهرت دول جديدة، كما ظهرت كيانات جديدة لم يُحسم وضعُها بعد ولم يعترف بها المجتمع الدولي حتى الآن.
إلا إن بعض التحديات الكبرى لا تزال قائمة. فإذا كانت معظم أجزاء المنطقة تنعم بالاستقرار فما زال أولئك الذين ارتكبوا جرائمهم في النزاعات الأخيرة بمنجاة من العقاب، وما زال هناك مئات الآلاف من النازحين بلا أمل يُذكر في العودة الوشيكة لديارهم. ولقد ازداد رخاء جانب كبير من المنطقة، لكن الرخاء لم يصل إلى المحرومين من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، إما بسبب العنصرية أو غيرها من أشكال التمييز.
وإذا كانت أوروبا لا تزال مكاناً يجتذب من يسعون للفرار من وجه الاضطهاد أو العنف أو الفقر، فإنها لا تزال تخذلهم بإتباع أساليب قمعية مع الهجرة غير النظامية. وإذا كان الأمن يمثل القضية العليا في شتى أرجاء المنطقة، فإنه دائماً ما يُهدر على أيدي أولئك الذين يضعونه في مرتبة متميزة فوق حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب، أو ينحرفون به بصورة صارخة حين يتذرعون به لقمع المعارضة أو مقاومة أحد التحديات للوضع الراهن
ولا تزال منطقة أوروبا أرضاً غير مأمونة لعدد لا يحصى من ضحايا العنف داخل بلدانهم.
ومن الصحيح أيضاً، وإن كان يدعو للأسف، أن هذه المنطقة، التي تعتبر نفسها منارةً لحقوق الإنسان، لا تزال تشهد فجوةً هائلةً بين الأقوال والواقع، بين المعايير والتطبيق، بين المبادئ والأفعال.
إذ إن الدول التي شاركت طوعاً في مختلف التزامات المؤسسات الإقليمية، قد عمدت طوعاً كذلك إلى التنصُّل من التزاماتها، فاعتدت على حقوق الإنسان وانتقصت منها، ولم تجد لديها الإرادة السياسية اللازمة للتصدي للانتهاكات الرئيسية.
لم يكد يمر عقد واحد حتى كانت أوروبا الغربية قد أرست الأساس لما أصبح فيما بعد البناء المؤسسي الإقليمي الشامل لأوروبا كلها، والذي يهدف إلى إنشاء نظام لحقوق الإنسان لا ينافسه نظام آخر في العالم كله.
من الصحيح أيضاً، وإن كان يدعو للأسف، أن هذه المنطقة، التي تعتبر نفسها منارةً لحقوق الإنسان، لا تزال تشهد فجوةً هائلةً بين الأقوال والواقع، بين المعايير والتطبيق، بين المبادئ والأفعال.
نظرة على أحداث العام 2007
الأمن وحقوق الإنسان
ومن أبرز الشواهد على ما سبق عمليات "النقل الاستثنائي". فقد ظهرت في عام 2007 أدلة تقطع نهائياً بصحة ما قيل عن تواطؤ دول أوروبية في البرنامج الذي تقوده الولايات المتحدة لاعتقال أفراد بصورة سرية ودون وجه حق. كما تثبت هذه الأدلة أن بعض الحكومات كانت متواطئة في نقل أشخاص إلى بلدان أجنبية خارج نطاق القانون، وفي حوادث إخفاء قسري، وفي التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة التي تعرض لها من كانوا يُنقلون ويُعتقلون سراً.
كما كشفت الأدلة عن الثغرات القانونية التي سهَّلت ما أقدمت عليه أجهزة استخبارات أجنبية وأوروبية من تصرفات غير مشروعة، ووفرت الحماية لهذه الأجهزة من المساءلة، ولكن رد الفعل المميز من جانب هذه الدول كان التزام الصمت والامتناع عن اتخاذ أي إجراء.
وفي مجالات أخرى كثيرة، يحظى الأمن بامتيازات تضعه في مرتبة فوق حقوق الإنسان الأساسية، وهو ما يضر بالأمن وهذه الحقوق معاً. فقد واصلت أوزبكستان وروسيا والصين وكازاخستان التعاون فيما بينها باسم الأمن الإقليمي و"الحرب على الإرهاب"، بأساليب تمثل انتهاكاً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، بما في ذلك إعادة بعض الأشخاص قسراً من حيث جاءوا على الرغم من تعريضهم بذلك لخطر التعذيب وغيره من الانتهاكات الشديدة.
فعلى سبيل المثال، واصلت حكومة المملكة المتحدة تقويض الحظر العالمي على التعذيب بترحيل من تعتبرهم مصدر تهديد للأمن القومي إلى دول يواجهون فيها خطراً حقيقياً يتمثل في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى "تأكيدات دبلوماسية" لا تملك ضمان تنفيذها.كما حاولت إقناع دول أوروبية أخرى، بــل و"المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، بأن مثل هذه التأكيدات مشروعة.
وفي تركيا وطاجيكستان، ثارت مخاوف بشأن عدم إجراء محاكمات عادلة في القضايا التي تُنظر بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون
ظل الأجانب، ومن بينهم من ينشدون الحماية الدولية، يواجهون نمطاً متسقاً من انتهاكات حقوق الإنسان، فلم يكن يتيسر للرجال والنساء والأطفال الانتفاع بإجراءات البت في طلبات اللجوء، وكان البعض يُعتقل دون وجه حق، والبعض الآخر يُحرم مما يلزمهم من توجيه ومساعدة قانونية. وكان كثيرون منهم يُطردون قبل نظر قضاياهم، والبعض يُرسلون إلى بلدان يصبحون فيها عرضةً لمخاطر انتهاكات حقوق الإنسان. و في بعض المناطق، كان من رُفضت طلباتهم من أجل اللجوء يُرغمون على العيش في بؤس وفاقة.
وصدرت تشريعات جديدة في بعض البلدان، مثل بلجيكا وسويسرا وفرنسا، تزيد من تقليص حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.
العنصرية والتمييز
ما زال أفراد طائفة "الروما" (الغجر) يعانون من التمييز بسبب هويتهم في شتى أرجاء المنطقة، إذ استمر استبعادهم من الحياة العامة، وحُرموا من الانتفاع الكامل بحق المسكن والعمل والخدمات الصحية. ولم تكفل السلطات لأبناء هذه الطائفة أن يتلقوا التعليم دون تمييز، إذ قبلت، بل وعززت في كثير من الأحيان، إنشاء فصول دراسية خاصة أو مدارس خاصة لأبناء "الروما"، بما في ذلك تلك التي تُقدم فيها مناهج دراسية منقوصة. وكان أبناء "الروما" أيضاً بين من تعرضوا لجرائم الكراهية، مثلما تعرض لها يهود ومسلمون. وكانت الاعتداءات العنصرية المتسمة بالعنف تقع في روسيا بانتظام يثير القلق.
وواجه كثيرون التمييز بسبب أوضاعهم القانونية، ومن بينهم النازحون بسبب النزاع في يوغوسلافيا السابقة والاتحاد السوفيتي، وحُرم هؤلاء من التمتع ببعض الحقوق أو بكل الحقوق، وهو حرمان ارتبط بمسائل تسجيلهم وإقامتهم.
وواصلت السلطات في بولندا وروسيا وليتوانيا ومولدوفا إشاعة مناخ من التعصب ضد ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر. فعلى سبيل المثال، استخدم بعض كبار السياسيين لغةً تعبر صراحةً عن كراهية ذوي الميول الجنسية المثلية، كما عرقلت السلطات عقد الاحتفالات العامة لهم. ومع ذلك، فقد سمحت السلطات في لاتفيا، على خلاف ما حدث في العامين السابقين، بتنظيم مسيرة لذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، بل ووفرت الشرطة حمايةً لها من المتظاهرين المناهضين.
في يوليوتموز، أصدرت "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" حكمها في قضية مقتل رجل من "الروما"، يُدعى أنجيل ديمتروف علييف، لدوافع عنصرية على أيدي ستة شبان في بلدة شومن في بلغاريا في عام 1996. وأشارت المحكمة إلى أن السلطات أقرت بالطبيعة البشعة لتلك الجريمة، ولكنها تقاعست عن إجراء تحقيق فعال على وجه السرعة في الحادث.
المساءلة والإفلات من العقاب
على الرغم من إحراز بعض التقدم في التصدي للإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتُكبت على أراضى يوغوسلافيا السابقة في حقبة التسعينات، ظل كثيرون من مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بمنأى عن العدالة، وذلك بسبب عدم التعاون مع "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة"، وكذلك لعدم كفاية الجهود التي تبذلها المحاكم المحلية.
واستمر اللجوء إلى التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة في شتى أرجاء المنطقة، وكثيراً ما كان ذلك وسيلةً لانتزاع الاعترافات، كما كان في كثير من الأحيان ضمن سياق ذي علاقة بالانتماء العنصري. وكان من بين العقبات التي تحول دون التصدي للإفلات من العقاب على أمثال هذه الانتهاكات تحايل الشرطة على الضمانات المكفولة، وعدم توفر سبل الاستعانة بالمحامين على وجه السرعة، وخوف الضحايا من الانتقام، وعدم وجود نظام مستقل تسانده الموارد اللازمة لدراسة الشكاوى، والفساد الذي يشين جهاز تنفيذ القانون والنظام القضائي. ففي بعض البلدان، مثل إسبانيا وأوزبكستان وأوكرانيا والبوسنة والهرسك وتركمانستان وتركيا وروسيا ومولدوفا، كان التقاعس عـن إجراء التحقيقات الفورية والدقيقة والنزيهة سبباً في استمرار مناخ الإفلات من العقاب.
في نوفمبر/تشرين الثاني، صدر حكم ببراءة 10 من ضباط الشرطة من تهمة تعذيب امرأتين في حجز الشرطة باسطنبول، في تركيا، في عام 2002. وأفادت الأنباء أن "ي" و"س" تعرضتا للتعذيب، بما في ذلك الضرب، والتجريد من الملابس، والرش بماء بارد من خرطوم عالي الضغط، كما تعرضتا لمحاولة اغتصاب. وجاء الحكم في أعقاب صدور تقرير طبي جديد، بناء على طلب المتهمين، لم يورد "أدلة مؤكدة على ارتكاب جريمة التعذيب".
عقوبة الإعدام
استمر التقدم بخطى واسعة في شتى أرجاء المنطقة نحو إلغاء عقوبة الإعدام. ففي مايو/أيار، خفَّضت كازاخستان عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام إلى جريمة واحدة متعلقة بالإرهاب، وواصلت وقف تنفيذ هذه العقوبة، وهو ما فعلته طاجيكستان أيضاً. وفي يونيو/حزيران، أقرَّت كل من قرغيزستان وأوزبكستان تعديلات قانونية تقضى بالاستعاضة عن عقوبة الإعدام بالسجن مدى الحياة أو السجن مدة طويلة، ومن المقرر أن تصبح هذه التعديلات سارية المفعول اعتباراً من بداية عام 2008.
وقد عارضت بيلاروس (روسيا البيضاء) هذا الاتجاه وظلت صامدة في موقفها باعتبارها آخر بلد في أوروبا ينفذ عقوبة الإعدام وظلت السرية المحيطة بعقوبة الإعدام من القضايا المهمة في ذلك البلد، شأنها شأن جميع البلدان الأخرى المماثلة، فلم يكن الأقارب يتسلمون جثمان الذي أعدم أو يُبَلَّغون بمكان الدفن، ولم تعلن أية إحصائيات عن تطبيق عقوبة الإعدام.
العنف ضد المرأة
ظل العنف ضد النساء والفتيات في محيط الأسرة سائداً في شتى أرجاء المنطقة، بالنسبة لجميع الأعمار والشرائح الاجتماعية.وكان يتجلى في شتى ألوان الإساءة اللفظية والإيذاء النفسي، والعنف البدني والجنسي، والسيطرة الاقتصادية والقتل العمد. وعادةً ما كان الإبلاغ عن صنوف الإيذاء هذه يقتصر على نسبة صغيرة من النساء، وكان من بين الأسباب التي تمنعهن خوفهن من انتقام شركاء حياتهم الذين ارتكبوا الإيذاء، أو الخوف من المقاضاة بتهمة ارتكاب جرائم أخرى، أو تأنيب الضمير، أو الخوف من التسبب في "العار" للأسرة، أو عدم الأمن من الناحية الاقتصادية، أو أوضاع الهجرة غير الآمنة، أو عدم توافر المأوى اللازم أو غير ذلك من التدابير الفعالة التي تكفل الحماية لهن ولأطفالهن، مثل أوامر التحفظ على مرتكبي الإيذاء. ولكن كان هناك قبل هذا كله ما يتمتع به مرتكبو الإيذاء من حصانة تجعلهم بمنأى عن العقاب.
وكثيراً ما كانت المرأة أيضاً تفتقر إلى الثقة في أن السلطات المعنية سوف تعتبر الإيذاء الذي لحق بها جريمة، لا مجرد شأن "خصوصي"، وأنها سوف تتصدى له تصدياً فعالاً ما دام يُعد جريمة. وكان التقاعس عن معالجة افتقاد الثقة في جدوى الإبلاغ عن الانتهاكات سبباً في إعاقة إجراء العدالة في القضايا الفردية إلى جانب إعاقة الجهود المبذولة للتصدي لأمثال هذه الانتهاكات على مستوى المجتمع كله، لأن من عواقب هذا التقاعس إخفاء النطاق الكامل للمشكلة وطبيعتها.
وبالرغم من اتخاذ خطوات إيجابية فيما ¡




